على وقع التركيز على الدور الأميركي في معالجة الملف اللبناني في المرحلة الراهنة، بالرغم من الصعوبات الكبيرة التي تواجه هذا المسار، قدّمت فرنسا والسعودية، بعد زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى باريس، رؤية من الممكن أن تُصنّف على أنها متوازنة إلى حد ما، نظرًا إلى أنها شاملة على مستوى العناوين العريضة.
في هذا السياق، من الضروري الإشارة إلى أن الرياض لا تزال حاضرة بقوة في المشهد المحلي، من خلال الأدوار التي تلعبها على مستوى ضبط التوازنات الداخلية ومنع انفجارها، في حين أن دور باريس كان قد شهد محاولات إبعاده عن هذا الملف من قبل واشنطن وتل أبيب، عبر حصر المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان بالرعاية الأميركية فقط.
انطلاقًا من ذلك، ترى مصادر سياسية متابعة، عبر "النشرة"، ضرورة قراءة الشق اللبناني من البيان المشترك الصادر عن الجانبين، لا سيما أن بين سطوره مؤشرات تؤكد أن ما يُطرح لا يتجاهل المعطيات التي فرضت نفسها في السنوات الماضية، ولا سيما العدوان الإسرائيلي المستمر منذ 2 آذار الحالي، تحديدًا على مستوى النفوذ الإيراني في البلاد، لكنه أشمل وأكثر توازنًا.
هنا، تشير المصادر نفسها إلى أن من أهم النقاط الواردة في البيان تلك التي تحدثت عن تكثيف الجهود بهدف التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع، أي أن المطلوب معالجة جذرية لا تقود إلى تجدد الحرب في المستقبل، الأمر الذي لا يمكن أن يكون دون قراءة مختلفة لكل ما يُطرح من حلول، تحديدًا على مستوى المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب.
بالنسبة إلى هذه المصادر، باقي النقاط توضح أن الرؤية الفرنسية–السعودية لا تقتصر، على عكس الأميركية، على التركيز على الأوضاع الداخلية، بل تربط المعالجة بما هو مطلوب من إسرائيل أيضًا. فهي تقوم على تعزيز مؤسسات الدولة، بما يشمل نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، لكنها تشدد في الوقت نفسه على أهمية التنفيذ الكامل للقرار 1701 وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
في هذا الإطار، من الطبيعي التأكيد أن أهمية البيان تنبع من الأدوار التاريخية لكل من فرنسا والسعودية في الساحة المحلية، بل إن هناك في الداخل من يشدد على ضرورة حضورهما في أي حل كي يُكتب له النجاح. فباريس تستطيع المساعدة من خلال الدور الذي من الممكن أن تلعبه على المستوى الدولي، تحديدًا في الأمم المتحدة، بينما الرياض لديها قدرة كبيرة على دعم ذلك على المستوى الداخلي، سواء من الناحية السياسية أو من الناحية الاقتصادية.
من وجهة نظر المصادر السياسية المتابعة، ما تقدّم لا يعني أن طريق هذه الرؤية سهلة على الإطلاق، فهناك الكثير من التعقيدات الحاضرة في المشهد العام، تبدأ من الموقف الإسرائيلي الذي لا يريد، على الأقل في المرحلة الراهنة، تقديم أي تنازل جوهري في الملف اللبناني. بل إن تل أبيب تراهن على إمكانية توسيع العمليات العسكرية التي تقوم بها، في ظل الدعم الذي تحظى به من قبل واشنطن، وتفضل إبقاء المفاوضات ضمن المسار الحالي.
بالإضافة إلى ذلك، تلفت هذه المصادر إلى أن عنوان الحل النهائي لا يمكن أن يكون بعيدًا عن الدور الإيراني أيضًا، نظرًا إلى أن طهران لا تزال حاضرة بقوة في المشهد اللبناني، بالرغم من المؤشرات التي يستند إليها البعض لتأكيد تراجع دورها، على المستوى العسكري أو السياسي. وبالتالي، أي طرح لا يمكن أن يكون من دون التنسيق معها من أجل ضمان تنفيذه على أرض الواقع.
في المحصلة، تشدد المصادر نفسها على أن أهمية ما ورد في البيان لا تكمن في القدرة على تنفيذه مباشرة، بل في تقديم قوة دفع إلى الجانب اللبناني في مواجهة الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها، لا سيما أن كل ما يُعرض عليه يأتي من باب أن المطلوب منه القيام بالتزامات، من دون أن يحصل على مقابل جدي يساعده في تنفيذ تلك الالتزامات.






















































